بقلم روي باز

كم تنتعش قلوبُنا حين نقرأ سيرةَ حياة الملك يوشيّا. فبعد تعاقبِ عدّةِ ملوكٍ أشرار على عرش يهوذا، باستثناء حزقيا، وقد أهانوا الرّبَّ بعبادة الأوثان وفعلوا الشرَّ في عينيه، نرى الوحيَ يستخدم كلماتٍ مختلفةً لوصف هذا الملك، فيقول عنه إنه “لَمْ يكنْ قَبْلَهُ مَلِكٌ مِثْلُهُ قَدْ رَجَعَ إِلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِهِ وَكُلِّ نَفْسِهِ وَكُلِّ قُوَّتِهِ حَسَبَ كُلِّ شَرِيعَةِ مُوسَى، وَبَعْدَهُ لَمْ يَقُمْ مِثْلُهُ (2ملوك 23: 25).” كان لهذا الملك كلُّ مسبّبات الفشل؛ فقد استلم المُلكَ في سنٍّ صغيرةٍ جدًّا أي عندما كان يبلغ من العمر ثماني سنوات، وكان والدُه شرّيرًا بل وزاد إثمُه عن جميع آبائه (2أخبار الأيّام 33: 23)، وكان شعبُ الرّبّ في حالةٍ روحيّةٍ سيّئة، وبيتُ الرّبّ خربًا، وكلمةُ الرّبّ مفقودة، ولم يكن هناك ذِكرٌ لأيِّ عيدٍ من أعياد الرّبّ. وبالرّغم من ظلمةِ المشهد، برزَ يوشيّا كعيّنةٍ من الصنف الذي يُرضي الرّبّ، وبيّنَ أنَّ الرّبَّ قادرٌ على إقامة أشخاص يسلكون بحسب قلبه ويكونون سببَ بركة. من هذا المنطلق جديرٌ بنا أن نتأمّلَ بسرّ نجاح هذا الملك التقيّ وأسباب رضا الله عنه.

  • طلبَ وجهَ الرّبِّ إذ فِي “السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ مُلْكِهِ إِذْ كَانَ بَعْدُ فَتًى، ابْتَدَأَ يَطْلُبُ إِلهَ دَاوُدَ أَبِيهِ” (2أخبار الأيّام 34: 3). لا ندري من أين تعلَّم المَلكُ هذه العادةَ الجميلةَ كونه تربّى في بيتٍ لم يُعِر أيَّ انتباهٍ للرّبِّ أو لوصاياه. وواضحٌ أنَّ طَلَبَ وجهِ الرّبِّ كان توجُّهًا دائمًا لديه وليس أمرًا قام به مرّةً واحدة. فقد أدركَ أنَّ سرَّ النجاح هو الاتّكالُ الكلّيُّ على الرّبّ ووضعُ الحكمةِ البشريّة جانبًا. إنَّ الرّبَّ حتمًا سيوجد لِمَن يطلبُه بكلّ قلبه (إرميا 29: 13).
  • عَمِلَ المُستقيمَ في عينيّ الرّبّ. لم يطلب الرّبَّ فحسب بل أدركَ أنّ السّيرَ مع الله يتطلّب السّيرَ في رضاه وأنّ فعلَ الأمر المستقيم في عينيه أهمّ بكثير من فعلِ ما يراه الناسُ مناسبًا. لذلك فعلَ المستقيمَ في عينيّ الرّب ولم يَحِدْ عن طريقِ داود أبيه لا يَمِينًا وَلاَ شِمَالاً.
  • لم يرضَ بأيّ أمرٍ يتعارض مع قداسةِ الله. كان متيقّنًا بأنَّ الرّبَّ إلهٌ قدّوسٌ ويجب ألّا يُستخَفّ أبدًا بمتطلّبات قداسته. لذلك قام بإزالة الْمرْتَفَعَاتِ وَالسَّوَاري والتَّماثيل وَالْمسْبُوكات وتدميرها، وعاقب الكهنة الذين كانوا ينجّسون الشعبَ بالعبادة الوثنيّة.
  • اهتمَّ ببيتِ الرّبِّ وبتابوتِه وبوصاياه. فقد رمّم بَيْتَ الرَّبِّ إِلهِهِ وأصلحَهُ بعدَ أن أخربَهُ الملوكُ الذين سبقوه. ثم عاد فأقام عيدَ الفصح الذي كان منسيًّا سنواتٍ طويلةً بسبب الشرّ الذي كان الشعبُ فيه. وقد كانت إقامةُ هذا العيد سببَ فرحٍ وبركةٍ إذ “لَمْ يُعْمَلْ فِصْحٌ مِثْلُهُ فِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَيَّامِ صَمُوئِيلَ النَّبِيِّ” (2أخبار الأيّام 35: 18). كما اهتمّ بإعادة تابوت الرّبّ إلى مكانه، ما يرمز إلى قوّةِ حضورِ مجدِ الرّبِّ في وسط خاصّتِه.
  • تواضعَ أمام كلمةِ الرّبّ. حين وُجِدَ السّفرُ الذي كان مُهمَلاً وسمع الملكُ محتواه، تعامل بمنتهى التواضع أمام الكلمة المقدّسة، إذ أرسل يسأل الرّبَّ عن كلام السِّفْر، بعد أن رَقَّ قلْبُه، وَتَوَاضَعَ أَمَام الله، ومَزَّقَ ثِيَابَه، وَبَكَى أَمَام الرَّبّ. قدّرَ الرّبُّ هذا الموقفَ الثمين وسمعَ صلاةَ يوشيّا. هل لنا التقدير نفسه لكلمة الرّبّ المُعلَنَة في الكتاب المقدّس كلّه وليس فقط في الأجزاء التي نراها مناسبة؟
  • اهتمّ بتوبةِ الآخرين ورجوعِهم إلى الرّبّ. كان لديه قلبُ الأب المحبّ الذي يرثي لحالة أولاده. ومن أجل هذا نراه في بَيْت الرَبّ يستدعي كلَّ الشعب وَالْكَهَنَةِ واللاويّين، ويقَرَأ فِي آذانهم كلَّ كلامِ سِفْرِ الْعَهْدِ الَّذِي وُجِدَ ويَقطَع عَهْدًا أَمَامَ الرَّبِّ لِلذَّهاب وراءَه ولحِفْظِ وصاياهُ وَشهاداتهِ وَفرائِضه (2أخبار الأيام 34: 29- 31). وكانت النتيجة أنَّ “كُلَّ أَيَّامِهِ لَمْ يَحِيدُوا مِنْ وَرَاءِ الرَّبِّ إِلَهِ آبَائِهِمْ” (2أخبار الأيّام 34: 33). ليت عندنا هذا التأثير نفسه في الأشخاص مِن حولنا.

 

فلنتشبّه بهذا المَلِك التقيّ الذي أرضى الرّبَّ بالرّغم من جميع المعوّقات التي واجهته، ونطلب دائمًا وجهَ الرّبّ ونسير بحسب قلبه، ونقدّر حقَّ التقدير كلمتَه والاجتماع من حول اسمه، ونهتمّ بحالة إخوتنا الروحيّة.

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي لتبقوا على اطّلاع بكل كتبنا الجديدة.

Dar Manhal Al Hayat (@darmanhalalhayat) | Instagram

Dar Manhal Al Hayat | Facebook