أسمى العلاقات البشرية هي العلاقة الزوجيّة، والحميميّة الزوجيّة هي أقدس ملامح هذه العلاقة. وجزءٌ أساسيٌّ من قصّة الخلق هو أنّ الله أعطانا هويّة جنسيّة. فمنذ البدء خلق الله الرجل والمرأة، ذكرًا وأنثى، وقال لهما: “اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا …” يتكلّم الكتابُ المقدّس عن السقوط والخلاص، وعن تمرّد الإنسان وتدبير الله، لكن ربّما يستغرب بعضُ الأشخاص حقيقةَ أنّ الكتاب المقدّس يتكلّم أيضًا عن العلاقة الزوجيّة والجنس. فقد خصّ الله الإنسانَ بمبادئ ومعايير مقدّسة تصون هذه العلاقة وتحفظها من التهاوي والسقوط.

       يشير كاتبُ رسالة العبرانيين قائلاً: “ليَكُنِ الزِّواجُ مُكَرَّمًا عِندَ كُلِّ واحِدٍ، والمَضجَعُ غَيرَ نَجِسٍ” (العبرانيّين 13: 4)، قولاً وفعلاً. ما نلاحظه هو سموّ التعابير التي تُشير إلى الجنس في الكتاب المقدّس وقدسيّتها، ولا نجد ألفاظًا خادشة للحياء أو منفّرة، أو عبارات لا يليق التلفّظ بها. فما هي الألفاظ المستخدمة في الكتاب المقدّس للتعبير عن العلاقة الزوجيّة الحميمة؟ ولماذا جاءت بهذا الشكل؟ نكتفي هنا بالإشارة الى بعض الأمثلة من دون الدخول في تفاصيل لاهوتيّة، والإجابة عن ماهيّة تلك الألفاظ والتعابير وسبب وجودها، والتشديد فقط على سموّها وقدسيّتها.

وردت الإشارةُ الأولى في هذا السياق في سفر التكوين، حيث قال الله: “ليس جَيِّدًا أنْ يكونَ آدَمُ وحدَهُ، فأصنَعَ لهُ مُعينًا نَظيرَهُ” (تكوين 2: 18). هذا حقيقيٌّ، لكن ليست هذه نهاية القصة. كان الهدفُ من خلق الرجل والمرأة أن يمثّلا الله ويكونَ الإنسانُ بالتالي وكيلَ الله على الخليقة. والمرأةُ شريكٌ مكمِّلٌ للرجل ومعينٌ له ونظيرُه، ولذلك خلق الله حوّاء من أضلاع آدم. ويستطرد الوحي المقدّس قائلاً: “لذلكَ يترُكُ الرَّجُلُ أباهُ وأُمَّهُ ويَلتَصِقُ بامرأتِهِ ويكونانِ جَسَدًا واحِدًا” (تكوين 2: 24). ويتبع لاحقًا التعابير التي أشرنا إليها للتوّ تعبيرٌ عمليٌّ آخر يشير إلى العلاقة الحميمة. “وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ. وَقَالَتِ: «اقْتَنَيْتُ رَجُلاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. 2. ثُمَّ عَادَتْ فَوَلَدَتْ أخَاهُ هَابِيلَ…” (تكوين 4: 1- 2).

       إنّ هدفَ الزواج بحسب فكر الله هو الوحدة، وهكذا صار آدم وحواء جسدًا واحدًا؛ ” وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأتَهُ”، و”يترُكُ … ويَلتَصِقُ بامرأتِهِ”. فالزواجُ مرتبطٌ بالاتّحاد الجسديّ والعاطفيّ والروحيّ والالتصاق الجنسيّ، والعلاقة الحميمة متعلّقة بالخضوع والاكتشاف والمتعة. ومن بين خلائق الله، يستمتع البشرُ وحدهم بالجنس ويتفنّنون في ممارسته في أبعاد هذه القدسيّة والخاصيّة والوحدة الفريدة، وهكذا يجب أن تبقى عليه الحال. فهل يوجد أسمى وأجمل وأرفع من هذه الألفاظ للتعبير عن العلاقة الحميمة! ليس للإباحية أيُّ مكانٍ هنا ولا للتعابير الجسدانية، بل للياقة الأدبيّة والذوق الصالح في انتقاء الكلمات والتعابير، واحترام الذات في خصوصيّاتها ومقدّساتها قبل الآخرين.

       وبينما نلقي نظرةً عاجلةً على العهد القديم، لا بدّ أن نعرّج سريعًا على سفر “نشيد الأنشاد”، وما يعتبره بعضُ الأشخاص عن غير حقّ، سفرَ الغزل الإباحي بامتياز. لقد جرت محاولاتٌ لمنع هذا السفر من أن يكونَ ضمن أسفار العهد القديم القانونيّة. وفي هذا الصدد، كانت إجابةُ أحد الرابيين اليهود الحازمة كالتالي: “سفرُ نشيد الأنشاد هو قدسُ أقداس الأسفار المقدّسة”. وهذا حقٌّ لمن يدرك أنّ موضوعَ السفر الأساسيّ هو قصيدة حبّ حقيقيّة بين زوج وزوجته. تبرز في قصّة الحبّ هذه صفاتُ الأمانة والولاء المُطلق والمحبّة التي لا تسقط، على الرّغم من تعثّر العلاقة والثغرات التي تُنقَذ منها. ويستعيد الحبيبان محبّتهما وعلاقتهما الحميمة. فما الضير في تعابير وألفاظ العلاقة الحميمة أو الجنسية بين الزوجين؟ ليس في الجنس أمرٌ غيرُ أخلاقيّ حين يكون في إطار العلاقة الزوجية؛ فيكون الجنسُ مقدّسًا في علاقة زوجية مقدّسة لا خارجها. ومهما شرّع الإنسانُ لنفسه بخلاف ما رتّبته حكمةُ الله، يبقى خاطئًا ومخالفًا القدسيّة. والمبدأ الكتابي هو رجلٌ واحدٌ لامرأةٍ واحدةٍ في علاقةٍ زوجيّةٍ مقدّسة. نقرأ ما كتبه حكيمُ الكتاب المقدّس في هذا الشأن قائلاً: “اِشْرَبْ مِيَاهًا مِنْ جُبِّكَ وَمِيَاهًا جَارِيَةً مِنْ بِئْرِكَ.16. لاَ تَفِضْ يَنَابِيعُكَ إِلَى الْخَارِجِ سَوَاقِيَ مِيَاهٍ فِي الشَّوَارِعِ. 17. لِتَكُنْ لَكَ وَحْدَكَ وَلَيْسَ لأَجَانِبَ مَعَكَ.18. لِيَكُنْ يَنْبُوعُكَ مُبَارَكًا وَافْرَحْ بِامْرَأَةِ شَبَابِكَ19. الظَّبْيَةِ الْمَحْبُوبَةِ وَالْوَعْلَةِ الزَّهِيَّةِ. لِيُرْوِكَ ثَدْيَاهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَبِمَحَبَّتِهَا اسْكَرْ دَائِمًا.20. فَلِمَاذَا تُفْتَنُ يَا ابْنِي بِأَجْنَبِيَّةٍ وَتَحْتَضِنُ غَرِيبَةً21. لأَنَّ طُرُقَ الإِنْسَانِ أَمَامَ عَيْنَيِ الرَّبِّ وَهُوَ يَزِنُ كُلَّ سُبُلِهِ” (أمثال 5: 15- 21).

يقودنا ما سبق للتوّ للنظر إلى تعابير في العهد الجديد تصف بكلّ دقّة العلاقة الحميمة في إطار الزواج. فكما في العهد القديم، لا نجد في العهد الجديد سموَّ التعابير والألفاظ فحسب، بل أيضًا قدسيّة العلاقة الزوجية والمبادئ التي تسمو على أية تعاليم وديانات أخرى. فكم من أديان وكتب “مكرّسة لنشر الشهوانية وإكسائها ثوبًا من القدسيّة، فضلاً عن مخالفتها الأعراف والآداب العامّة. كان الجنسُ وما زال وسيظلّ موضوعًا خاصًّا، ويبقى التكلّمُ فيه أمام الآخرين أمرًا معيبًا” . نكتفي بذِكْر مثالَين ممّا كتبه بولس الرسول في هذا السياق في العهد الجديد.
المثال الأوّل: “ليوفِ الرَّجُلُ المَرأةَ حَقَّها الواجِبَ، وكذلكَ المَرأةُ أيضًا الرَّجُلَ. ليس للمَرأةِ تسَلُّطٌ علَى جَسَدِها، بل للرَّجُلِ. وكذلكَ الرَّجُلُ أيضًا ليس لهُ تسَلُّطٌ علَى جَسَدِهِ، بل للمَرأةِ” (1كورنثوس 7: 3- 4). يُعدُّ ما كتبه بولس الرسول في القرن الأوّل مُدهِشًا وثوريًّا في العالم القديم والحديث على حدٍّ سواء. فأن يكونَ للرجل سلطةٌ على جسد زوجته يُعدّ من المسلّمات، لكنّ بولس هنا يعدّل المعادلة السارية ويقول: “ليس للمَرأةِ تسَلُّطٌ علَى جَسَدِها، بل للرَّجُلِ. وكذلكَ الرَّجُلُ أيضًا ليس لهُ تسَلُّطٌ علَى جَسَدِهِ، بل للمَرأةِ.” يضع الكتابُ المقدّس “قيدًا جذريًّا غير مسبوق على حريّة الزوج الجنسيّة؛ فيعبّر من ناحية سلبيّة عن التزامه بالامتناع عن الدخول في علاقات جنسيّة مع أي امرأة أخرى غير زوجته، ومن ناحية إيجابيّة عن التزامه بتنفيذ واجبه الزوجي الخاصّ بتوفير المتعة والشبع الجنسي لزوجته” . فالزوج مَدينٌ بالجنس لزوجته، وعليه تلبية احتياجاتها الجنسيّة، وعلى المرأة بدورها أن تفعل ذلك أيضًا. تعطي الزوجةُ السلطةَ على جسدها لزوجها، ويمنح الزوجُ سلطتَه على جسده لزوجته.
والمثال الثاني: “فَلا يَمْنَعْ أَحَدُكُمَا الآخَرَ عَنْ نَفْسِهِ إِلّا حِينَ تَتَّفِقَانِ مَعًا عَلَى ذَلِكَ، وَلِفَتْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِقَصْدِ التَّفَرُّغِ لِلصَّلاةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ عُودَا إِلَى عَلاقَتِكمَا السَّابِقَةِ، لِكَيْ لَا يُجَرِّبَكُمَا الشَّيْطَانُ لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّفْسِ” (1كورنثوس 7: 5- ترجمة الحياة)، أو لسبب عدم النزاهة الجنسيّة. “لقد كانت فكرةُ أنّ الجنس تبادليٌّ وليس من طرف الزوج فقط، وأنّ الزوجَ مَدينٌ به لزوجته – وأنّ للزوجة حقَّ مطالبة زوجها به – فكرةً غير مسبوقة! لم يقل أيُّ شخصٍ أمرًا مثل هذا قطّ، وفي أيّ موضع آخر من العالم القديم” . تكلّم القسّ بول كارتر في مقالته عن “خمسة أمور مدهشة عن الجنس في الكتاب المقدّس: الجنسُ حسنٌ، والأزواجُ مَدينون به لزوجاتهم، وعلى الأزواج أن يمارسونه كثيرًا، ولا يتعلّق فقط بإنجاب الأطفال، وهو ليس ما يجعلك بالفعل إنسانًا”. الجنس جيّدٌ وطبيعيٌّ وذات معنى، لكنّه ليس هدفًا بحدّ ذاته نعيش لأجله، إنّما وسيلة نخدم بها مقاصد الله. يجب أن يبقى الجنسُ في إطار الزواج ويكون مقدّسًا وكريمًا ومتبادلاً وحرًّا ومن دون أي إكراه، ويجب أن يُعبَّر عنه بكلّ سموّ وخصوصيّة وقدسيّة.

       لكن رُبّ سائل يجد غرابةً في ذِكْر كلمات وأسماء وتعابير جنسيّة على صفحات الكتاب المقدّس، فكيف يتوافق هذا الأمر مع سموّ التعبير عن الجنس وقدسيّته؟ نلاحظ أنّ الهبةَ الطاهرة – الجنس – نجّسها البشر، ولا بدّ من الوقوع تحت قضاء الله الأكيد. وتسمّى الخطيّةُ باسمها أكان في العهد القديم من الكتاب المقدّس أم العهد الجديد. وقد وضع بولس قائمةً شاملةً بالخطايا الجنسيّة مثل: الزنى، النجاسة، القباحة، كلام السفاهة والهزل. جميعها كلمات تصف الخطيّة الجنسيّة وتدلّ على القذارة بالمعنى الجنسيّ، ويحمل التعبيرُ “كلام السفاهة والهزل” فكرةَ استخدام التعابير والكلمات الجنسيّة غير اللائقة وتحويل الأحاديث الى كلام جنسيّ إمّا مباشرة أو باستخدام التوريّة.

       نشير إلى أنّه حيثما ترد التعابير في الكتاب المقدّس وتوصِّف الخطيّة باسمها، فهي تؤشّر إلى حقيقة مزدوجة لا تقبل الجدل، وهي التمرّد البشريّ على الله وقضاء الدينونة الإلهيّة في الختام. يتصدّر أمامنا مثالان على هذه الحقيقة المزدوجة. الأوّل وفقًا لرسالة بولس إلى أهل رومية حيث جاء: “لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ.25. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.26. لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاِسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ27. وَكَذَلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ” (رومية 1: 24- 27).   

       والمثال الثاني هو ما صرّح به يسوع المسيح وفقًا لسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي قائلاً: “ثُمَّ قَالَ لِي: «قَدْ تَمَّ! أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّانًا.7. مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلَهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا.8. وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي” (رؤيا 21: 6- 8).

       تبقى مهمّةً الإشارةُ إلى مبدأ الجنس الأساسيّ في الكتاب المقدّس، ألا وهو الوحدة الزوجيّة. وأسمى درجات التعبير عن الوحدة ليست الشهوة، إنّما المحبّة الزوجيّة الكتابيّة. وتكون هذه الوحدة في إطارٍ من الحبّ والقدسيّة والعطاء والاستمرارية والخضوع والاحترام، ويضاف إليه الإطار الروحيّ والقانونيّ المرعي الإجراء. “اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا” (1كورنثوس 13: 8).  

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي لتبقوا على اطّلاع بكل كتبنا الجديدة.

Dar Manhal Al Hayat (@darmanhalalhayat) | Instagram

Dar Manhal Al Hayat | Facebook