سيادةُ الله على الحياة والموت

إحدى حقائق الكتاب المقدس التي نعتنقها بفرحٍ ورعدةٍ في آنٍ هي حقيقة سيادة الله على كلّ شيء. بصفتنا كنيسةً، علينا أن نُخبر جميعَ الشعوب عن سيادة الله في أمور هذه الحياة كافة لكي يختبروا الفرح بواسطة يسوع المسيح، حتّى في أوقات المصائب والحروب، وعندما تقوم جماعةٌ متطرّفة بعملٍ إرهابيّ، أو عندما يقضي المرض على أمٍّ ما، أو يلد طفلٌ ما مع إعاقات شديدة. ما مِن استثناءات في مهمّتنا هذه، إذ نعيش في عالمٍ من الألم والمعاناة والشرّ والموت.

كحزانى ونحن دائمًا فَرِحون

كلُّ من عاش بضعة عقود على الأرض، لم يتسلّم هذه المهمّة إلّا وكان الألمُ والدّموعُ يُرافقانه. إنّ الفرحَ الذي نسعى للتمتّع به في المسيح يسوع يكون دائمًا منسوجًا بالحزن. يصف الكتابُ المقدّس خدّامَ المسيح كما يلي: ” كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُون” (2كورنثوس 6: 10).

كيف يكون هذا ممكنًا؟ إنّه ممكنُ لأنّ المسيح يسود على كلّ الأشياء إلى الأبد، ولكنّ المعاناة والموت سيظلّان قابعَين هنا بعضَ الوقت. ليست الحياةُ سهلةً وبسيطة؛ فهناك ابتهاجٌ كما هناك ألم، وهناك حلاوةٌ كما هناك مرارة. وثمّة فرحٌ وبؤسٌ أيضًا، وهناك حياةٌ وصحّةٌ من جهة، ومرضٌ وموتٌ من جهة أخرى. وبالتالي ليست المشاعر بسيطةً. فبالنسبة إلى الأشخاص الذين يحبّون الآخرين ولا يسعون فقط وراء راحتهم الشخصيّة، يعني عدمُ البساطة هذا أنّنا سنفرح مع الفرحين وسنبكي مع الباكين (رومية 12: 15). سوف نكتشف معنى أن نكون “حزانى ونحن دائمًا فرحون” بل وفرحون ونحن دائمًا حزانى.

حقيقةُ الشرّ المؤلمة    

إنّ الكوارث والأحداث المفاجئة تصدمنا، لكنّها توضّح لنا ما يحدث كلَّ ساعةٍ من كلِّ يوم في حياتنا. يموت آلافُ الناس ألمًا وبؤسًا كلّ يوم. وإذا كان فرحُ المؤمن حقيقيًّا في هذا العالم، إلى جانب المحبّة، فسيكون فرحًا مقترنًا بالحزن وانكسار القلب. مَن منّا عاش حياةً طويلةً بما فيه الكفاية، ولا يعرف أنَّ أجملَ الأفراح وأعمقها تكلّلها الدموعُ وليس الضحك؟

حاجتُنا إلى الله

حتى في تجاربنا الشخصيّة وداخل أعماقنا هناك شهادةٌ بأنّ عالمَ الشرّ والألم والبؤس والموت ليس مكانًا بلا معنى وهدف. فقد وجد بعضُ الأشخاص في خضمِّ أعظمِ ألمٍ اختبروه، أشدَّ الحاجة إلى الله وأكبرَ دليلٍ على وجوده. ثمّة إلهٌ ممسكٌ بالكون ويضع معاييرَ الخير والشرّ ويكتبها على لوح قلب الإنسان. فليست هذه تفاعلات كيميائية في أدمغتنا لا هدف منها، بل إنّها حقيقة موجودة من حولنا وعند الله. غالبًا ما أثبتت الأوقاتُ التي بان فيها الشرُّ البشريُّ الكبير أنّها أوقاتٌ تكون فيها الحاجةُ إلى الله

شديدة وحقيقيّة بشكل واضح. من دون الله ليس الخيرُ والشرُّ إلّا نبضات كهروكيميائية مختلفة في دماغ الثدييات الرئيسة التي تُدعى الإنسان العاقل. لكنّنا نعلم أنّ هذا غير صحيح.

لمَ العالم هكذا؟

لماذا يا ربّ؟ لماذا أصبح العالمُ الذي خلقته هكذا؟ إذا كنتَ الله – إذا كنتَ المسيح ابن الله الحيّ- فلماذا هذا العالم مليء بالخوف والمشقّات؟

  1. إنَّ سببَ وجود هذا العالم المضطرب ليس لأنّ الله يفتقر إلى السيطرة الكاملة.

الكتاب المقدّس واضحٌ للغاية في فكرة أنّ الله ضابطُ جميع الأشياء في الكون، من أصغر عصفورٍ إلى أعظم عاصفة. “أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ” (متى 10: 29). ” فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعًا تُطِيعُهُ” (متى 8: 27).

ما مِن شخصٍ أو كائنٍ في الكون يستطيع أن يمنعَ إرادةَ الله المتعلّقة بالسيادة من أن تتحقّق. الشيطان هو أقوى عدوّ لله ويرتكب الكثيرَ من الشرور في العالم، ولكن لا بدّ أوّلاً من أن يحصلَ على إذنِ الله، ولا يخرج أيٌّ من أفعاله عن حكم الله.

  1. إنَّ سببَ وجود هذا العالم المضطرب ليس لأنّ الله شرّيرٌ أو غيرُ عادل.

ليس الله شرّيرًا، حتّى عندما يسمح لشرٍّ ما بأن يحدث. ومقاصدُه في كلّ ما يفعله صالحةٌ ومقدّسةٌ وعادلة. ولكلّ الذين يحبّونه، “كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ” (رومية 8: 28) الآن وإلى الأبد.

  1. إنَّ سببَ وجود هذا العالم المضطرب هو لأنّ الله خطّط لتاريخ الفداء ثم سمح للخطية بالدخول إلى العالم بواسطة أبوينا الأوّلَين، آدم وحواء.

قبل أن يكون هناك أيُّ عالمٍ أو أيّةُ خطيّة في العالم، خطّط الله لنعمة الخلاص عبر موت يسوع المسيح وقيامته. ويعني هذا أنّ الله كان يعلم أنّ آدم سوف يخطئ، وبالتالي كان يخطّط بالفعل لكيفية إنقاذنا. إذًا، كانت خطيّةُ آدم جزءًا من خطّة الله التي قصد فيها أن يُظهر رحمتَه ونعمتَه وغضبَه وصبرَه وحكمتَه بطرقٍ لما كان من الممكن إظهارها ما لم تكن هناك خطيّةٌ ومخلّصٌ وتاريخُ فداء.

  1. إنَّ سببَ وجود هذا العالم المضطرب هو لأنّ الله أخضع العالم الطبيعيّ للبُطْل.

لقد وضع الله العالمَ الطبيعي تحت اللعنة بحيث تصبح الأهوالُ الجسديّة والماديّة التي نراها حولنا من أمراض ومصائب، صورةً واضحةً عن مدى بشاعة الخطيّة. وبعبارة أخرى، الشرُّ الطبيعيّ هو علامةٌ تشير إلى أهوال الشرّ الأخلاقيّ.

  1. إنَّ سببَ وجود هذا العالم المضطرب هو لكي يختبرَ أتباعُ المسيح أنّ لا سرورَ يُضاهي ذاك الناتج من معرفة المسيح.

إنّ خسارةَ كلّ شيء جيّد في هذا العالم تكشف لنا أنّ المسيح نفسه يعوّض عن جميع الخسائر، بل ويعطي أكثر. يقول الرسول بولس: “بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ” (فيلبي 3: 8). لقد تعظّم الربُّ أكثر لأنّ بعد كلّ ما خسره بولس، استطاع أن يكتفيَ بالمسيح.

  1. وأخيرًا، إنَّ سببَ وجود هذا العالم المضطرب هو الفسح في المجال ليسوع المسيح ابن الله لأن يتألّم ويموت من أجل خطايانا.

السبب في وجود الاضطراب والخوف اللذين نشعر بهما هو لكي يشعر المسيح أيضًا بهما، وسببُ وجود الألم هو لكي يشعر المسيح بالألم. هذا هو العالم الذي أعدّه الله لآلام ابنه وموته، وهذا هو العالم الذي أظهر فيه الله محبّته بأفضل شكل في معاناة ابنه. ” وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رومية 5: 8). كانت معاناةُ المسيح خطّةَ الله ليكشف لنا عن محبّته المخلِّصَة. فتلتقي سيادةُ الله وشرُّ العالم ومحبّةُ الله عند قاعدة صليب المسيح.

دخل ابنُ الله عالمَ الخطيّة والبؤس والموت، وحمل عنّا الخطيّة التي كانت سببَ جميع هذه الأمور. وبموته اشترى الحلّ للخطيّة، مقدّمًا الغفران والفرح الأبديّ في الدهر الآتي.

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي لتبقوا على اطّلاع بكل كتبنا الجديدة.

Dar Manhal Al Hayat (@darmanhalalhayat) | Instagram

Dar Manhal Al Hayat | Facebook